نحن الطيور
في زمان مضى يشير إليه جيلنا بالزمن الجميل قياسا على هذا الزمن الردئ كان من مقررات منهج المطالعة في المدارس الأولية نشيد مطلعه:
نحن الطيور أيها الانسان بذا الجمال خصنا الرحمن
وربما بسبب ما حظي به هذا النشيد من لحن جميل درج ناظرمدرستنا في تلك القرية النائية من قرى أقصى الشمال السوداني كلما جاء مسئول زائرا للمدرسة أن يطلب من تلاميذ الصف المعني بأن يصطفوا أمام المسئول الزائر ويرددوا هذا النشيد بلحنه الجميل وبأصواتهم الندية مصحويا بأداء حركي يتمثل في إشارة التلاميذ المنشدين باليد اليمني إلى صدورهم عند عبارة " نحن الطيور" والاشارة باليد اليمنى أيضا مبسوطة نحو الضيف الزائر عند عبارة " أيها الانسان" ورفع اليدين مبسوطتين كذلك إلى أعلى عند كلمة " الرحمن" . وحينما كبرنا وكبرت معنا أحزاننا وقد جرفتنا الحياة بعيدا عن تلك القربة الهانئة حينها, شأنها شأن كل القرى السودانية في ذلك الزمان, وعركتنا الأيام عرك الرحى بثفالها وصار من متطلبات الدخول في معترك الحياة أن نتخذ لسان العرب بديلا عن لساننا الذي نشأنا عليه عرفنا أن الناطقين بلسان عربي مبين من العرب العاربة من أهل السودان يستخدمون كلمة طير استخداما مجازياً فيطلقون على الشخص الغر المتصف بالغباء والذي يسهل على الآخرين خداعه نعت " الطير" فيقولون " ده زول طيرة" ويقولون للجمع " ديل ناس طير" وقد يضيفون كلمة ساكت إلى العبارة فتصير " ديل ناس طير ساكت" فيكتسب النعت قوة وتأكيدا. ولكن ظل هذا النعت مستخدما لدى الشعب السوداني في نطاق ضيق لا يتعدى أن يوصف به شخص أو مجموعة من الأشخاص أو فئة قليلة من الناس, فلم يحدث التوسع فيه ليدمغ به مثلاُ قبيلة بأكملها أو أهل أقليم في مجمله, حتى إذا جاء هذا الزمان الذي تولى فيه أمرنا بعض العربان وقليل ممن والاهم من النوبة والغلفان وبعض متردية أهل السودان من عناصر الاحزاب والاخوان أدركنا أن هؤلاء العربان يعتقدون جازمين أن جميع أهل السودان العرب منهم والعجمان ما هم إلا "ناس طير". صحيح أن نعت الطير لم يرد صراحة في قاموس مفردات النعوت التي أسبغها المنقذون من العربان ومن والاهم بغير احسان على شعب السودان مثل نعت " الشحاتين" أي العاطلين من فضيلة التعفف أو نعت "قليلي الأدب" أو "السجمانين" أو "الجبناء" وهذا الأخير وصف يبدو محببا وتليدا عند المنقذين فقد جرى استخدامه من قبل هؤلاء منذ ايام الطلب حيث كانوا يهتفون في المظاهرات الطلابية الشعبانية التي جرت في العام 1973 " الشعب جعان لكنو جبان" فتخيل!! وبالرغم من أن الشعب السوداني أكد لهم بانتفاضته في أبريل 1985 أنه فوق سوء ظنهم وأنه أقوى وأكبر مما كانوا يتصورون إلا أنهم لا زالوا يتوهمون فيه الجبن أو يوهمون أنفسهم بأنهم يحكمون شعباً من الجبناء إلى الحد الذي يتنبر فيه أحدهم ليخاطب الشعب السوداني قائلاً: كان رجال أطلعوا الشارع !!
أقول بالرغم من أن نعت الشعب السوداني بالطير لم يرد في قاموس مفردات النعت الانقاذي وللأمانة والتاريخ لم يقدم احد المنقذين على وصف الشعب السوداني بالطير صراحة. ولكن كل أقوالهم وأفعالهم تشير إلى استبطانهم لهذا النعت فدعونا نتتبع بعض الأمثلة من أقوال وأفعال المنقذين لنحكم بعدها ماذا يظن بنا هؤلاء فالبيان الأول للمنقذين غداة إنقلابهم في الثلاثين من يونيو 1989والذي تلاه علينا العميد (حينها) عمر حسن أحمد البشير جاء شاملا ما زعموه أسبابا للانقلاب على النظام الديموقراطي الذي اختاره الشعب وشمل الخطاب ايضا ما يبشر به المنقذون الشعب السوداني ليقبل بهم بديلا للنظام الديموقراطي والحكومة المنتخبة من قبله, فحوى البيان نعياُ على الوضع الاقتصادي " لقد تدهور الوضع الاقتصادي بصورة مزرية وفشلت كل السياسات الرعناء في إيقاف التدهور ناهيك عن تحقيق أي قدر من التنمية مما زاد حدة التضخم وارتفعت الأسعار بصورة لم يسبق لها مثيل واستحال علي المواطن الحصول علي ضرورياتهم إما لانعدامها أو ارتفاع أسعارها مما جعل الكثير من ابناء الوطن يعيشون علي حافة المجاعة وقد أدي التدهور الاقتصادي إلي خراب المؤسسات العامة وانهيار الخدمات الصحية والتعليمية وتعطيل الإنتاج بعد أن كنا نطمع أن تكون بلادنا سلة غذاء العالم أصبحنا امة متسولة تستجدي غذاءها وضرورياتها من خارج الحدود" والآن وبعد اثنين وعشرين عاما من حكم المنقذين نجد الوضع الاقتصادي في أسوأ حالاته ولا نكاد نلمس في الواقع سياسات رعناء أو خلافه بل هو خبط عشواء وخواء ورغم شعارات نأكل مما نزرع ونلبس مما نصنع ورغم ضجيج النفرة الخضراء وزعيق النهضة الزراعية والحديث عن سلة غذاء العالم وبعد أن كان استيرادنا من الغذاء يقتصر على بعض القمح على أيام الديمقراطية الموؤدة تدهورنا إلى درجة استيراد البيض الفاسد من بلاد الهند والسند والطماطم من سوريا وحتى الثوم " بصل مكادة" نستورده من الصين إضافة إلى القمح الذي جله يأتي من وراء البحار. أما التضخم فحدث ولا حرج فبعد أن طمأننا المنقذون في بداية عهدهم بأن سعر الدولار كان سيبلغ العشرون من الجنيهات السودانية لولا قيام المنقذون بانقلابهم إذا بالدولار يبلغ سعره 7000 جنيه ولا يزال الجنيه السوداني يترنح أمام الدولار ولم يستقر له قرار رغم تدخلات بنك السودان ليحفظ له ماء وجهه. لم يجحد المنقذون الفساد والمحسوبية الحزبية حظه من البيان حيث جاء " لقد امتدت يد الحزبية والفساد السياسي إلي الشرفاء فشردتهم تحت مظلة الصالح العام مما أدي إلي انهيار الخدمة المدنية ولقد أصبح الولاء الحزبي والمحسوبية والفساد سببا في تقديم الفاشلين في قيادة الخدمة المدنية وافسدوا العمل الإداري وضاعت بين يديهم هيبة الحكم و سلطان الدولة ومصالح القطاع العام" وإذا تركنا جانبا افتراء البيان على الحزبية إلا أن ما فعله المنقذون بالخدمة المدنية وما بلغته من انهيار كامل بسبب المحسوبية وتقديم الولاء على الكفاءة وتشريد آلاف العاملين من ذوي الخبرة منها لا يخفى على أحد. وتباكي البيان على الوحدة الوطنية التي أضاعها العبث السياسي كما أسماه " وأضاع الوحدة الوطنية بإثارته النعرات العنصرية والقبلية في حمل أبناء الوطن الواحد السلاح ضد إخوانهم في دارفور وجنوب كردفان علاوة على ما يجري في الجنوب في مأساة وطنية وسياسية" وبعد أكثر من عقدين من ذلك البيان و سيطرة المنقذين على مصائر البلاد والعباد نجد الوطن وقد تم تمزيقه بفعل أصحاب البيان والنعرات العنصرية والقبلية يتم تأجيجها من قبل المنقذين وحمل السلاح ضد الآخر بعد ان كان بين القبائل بسبب الصراع على الكلأ والماء يتداركها القوم بالصلح والديات أصبح بين تلك القبائل مجتمعة من جهة وبين السلطة التي يتحكم فيها المنقذون من جهة أخرى بسبب الصراع على السلطة والثروة وبعد أن كان حمل السلاح مقتصرا على درافور وجنوب كردفان كما إدعى البيان أصبح شاملا جنوب النيل الأزرق والشرق وكل كردفان بالاضافة إلى درافور. ولم ينسى البيان في ختامه دعوة المواطنين للاصطفاف خلف راية المنقذين " ضد الفوضى والفساد واليأس من اجل إنقاذ الوطن ومن اجل استمراره وطنا موحدا كريما" والآن وبعد نيف وعشرون عاما من حكم المنقذين صار السودان ضمن ثلاث دول هي الأكثر فسادا في كوكب الارض وضمن خمس دول هي الأشد فقرا في المعمورة وضمن خمس دول هي الأسوأ في سجل حقوق الانسان وضمن خمس دول هي الأدني من حيث الشفافية أما الاستمرار وطنا موحدا فقد أثبتت الأيام أن المنقذين كانوا أكثر حرصا على تقسيم الوطن ولا يزال في جعبتهم الكثير نحو تمزيق ما تبقى منه . وبعد أن غلبت المنقذون الحيلة في إدارة شأن البلاد وصاروا قاب قوسين أو أدنى من الهلاك لم يجدوا ملجأ غير الطائفية التي أسرفوا في ذمها لتستر عورتهم وتصلح ما أفسده عقدين من الحكم غير الرشيد فجاءوا بيفع الطائفية في أعلى قمة السلطة المنقذة لعلهم يصلحون كديكور يجمل وجه السلطة الكالح. كل ذلك يمكن استساغته ولكن غير المستساغ أن يخرج علينا بعد كل هذا من يقول: إن الذين ينتظرون ربيعا عربيا في السودان سيطول انتظارهم لأن الشعب السوداني يعيش ربيعا منذ اثنين وعشرون عاما !! أي ربيع هذا يا هذا؟
أيشك أحد بعد ذلك في أن هؤلاء المنقذون يؤمنون ايمانا لا يخامره الشك أن الشعب السوداني ما هو إلا طير بل " طير ساكت"؟؟
وما دام الأمر كذلك فانني ومن باب الفضول وليس نيابة عن الطير السوداني, فلا أملك تفويضاً بذلك, اقترح على المنقذين أن يصدروا فرماناً يقضي باحياء النشيد المشار إليه وجعله نشيدا وطنياً مقرراً ليس على تلاميذ مدارس الأساس فحسب بل على كل الطير السوداني الفضل مع تعديل طفيف في مطلع النشيد ليقرأ:
نحن الطيور أيها السلطان بذا الغباء خصنا الرحمن
على أن يتضمن الفرمان إلزاماً على جميع المواطنين من جنس الطير الحاضرين في اللقاءات العامة التي يشرفها بالحضور واحد أو أكثر من المنقذين بأن يهبوا واقفين عند وصول المنقذ او المنقذين ويقوموا بترديد النشيد كافتتاحية للقاء على أن يكون ذلك مصحوبا بأداء حركي من كل الطير المنشدين بأن يشيروا باليد اليمنى إلى أنفسهم عند عبارة " نحن الطيور" ويشيروا كذلك إلى من في المنصة عند عبارة " أيها السلطان". أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم أيها الطير السوداني الفضل. قوموا إلى نشيدكم.

No comments:
Post a Comment