Thursday, May 3, 2012

من مروآرتي إلى مكة

من مروآرتي إلى مكّة




بقلم/ عبد الله عبد القيوم أبوزيد/ المحامي

قدمت احدى الفضائيات السودانية في الايام القليلة الماضية برنامجا عن جزيرة مروآرتي في الشمالية وهي جزيرة صغيرة تقع في خاصرة مدينة أرقو وتطل عليها إطلالة تضفي عليها بهاء ورونقا فالجزيرة قطعة من الجمال تسحر العيون وتسلب الألباب حين تبدو لعابري النيل على ظهر البنطون أو المراكب وصولا إلى المدينة أو ذهابا منها. ولست هنا بصدد وصف الجزيرة وسحرها فهذا أمر صعب المنال نثرا أو شعرا فلا غنى لمن رغب في إدراك ذلك السحر عن الوقوف لديها والتأمل في سحرها وجمالها شأنها شأن الكثير من جزر المنطقة تلك المنطقة التي أطلق عليها أهلها النوبيون في زمن سابق اسم " بقون" ومعناه العجب ربما لايمانهم بأن منطقتهم هذه بما فيها من جمال الطبيعة وكنوزها تعتبر من عجائب السودان إن لم تكن من عجائب الدنيا. ما لفت نظري في البرنامج أن عددا من سكان الجزيرة الذين ألتقتهم كاميرا البرنامج تحدثوا عن معني الاسم مروآرتي فاتفقوا أن الاسم يعني جزيرة المروة أو المروءة وهو إجتهاد منهم لايجاد تفسير أو أصل عربي للاسم وهو تفسير لا يجد سندا من الواقع أوالتاريخ أو المنطق. الشاهد أنه وفي ظل المحاولات المستمرة للهروب من تاريخ السودان وهويته يجهد كثير من الناس نفسه لايجاد اصل عربي لاسماء المواقع في السودان لم تسلم من ذلك حتى سوبا حاضرة المملكة النوبية ألوا " علوة" فهذا واحد ممن أوكل اليه التوثيق لما سمي بحضارة السودان قال أن أصل الاسم ربما يعود إلى مملكة سبأ تلك المملكة العربية القديمة التي قامت في اليمن وحكمتها الملكة بلقيس فتخيل!! ولو بحثنا عن معنى الاسم في اللغة النوبية لوجدنا انه يعنى النهر العظيم في اشارة إلى النيل الأزرق وكذلك كل الأسماء التي تبدأ ب " سو أو صو" على طول نهر النيل من سوهاج في مصر إلى سوباط في الجنوب ومن سواكن على البحر الأحمر إلى صومال كلها أسماء تصف النهر أو البحر في ذلك الموقع المحدد لأن كلمة سو أو صو ,كما في صومال, تعني في اللغة النوبية القديمة وربما في لغات كوشية أخرى الماء أوالسائل واستخدمت بمعنى النهر وكذلك البحر. وقيل مثل ما قيل عن سوبا من إفتئات عن أماكن كثيرة تحضرني منها أربجي وكردفان "وهي في الأصل كوردوفال" وهي تعني في النوبية سهل الجبل الكبير في اشارة إلى جبال النوبة فالاسم يتكون من كلمتين "كوردو" وتعني الجبل و "فال" وتعني الأرض السهلية. ولا أود هنا ايراد مزيد من الأمثلة لضيق المساحة المتاحة والتي لا تسمح بمثل هذا الاسهاب ثم لصعوبة فهم مثل هذا الشرح لغير المهتمين باللغة النوبية سواء كانوا من الناطقين بها أو غيرهم فحسبنا تلك الأشارات العابرة لبعض الأمثلة من أسماء الاماكن السودانية.

ولكني أريد هنا أن أقوم بهجمة مرتدة على الباحثين عن اصل عربي لأسماء المواقع السودانية فاقتحم عقر دار عروبتهم وأورد مثالا عن أثر اللغة النوبية هناك و ليس في موطنها السودان. يظهر هذا الأثر في اسم البقعة المباركة مكة المكرمة حيث جاء في محكم التنزيل " إن أول بيت وضع للناس للتي ببكّة مباركا". فكما تحدثنا الآية الكريمة فمكة المكرمة كانت تسمي بكّة قبل أن تصير مكّة. وهي كما يحدثنا القرآن أيضا كانت ارض قاحلة لا حياة فيها ولا تحمل اسماً فأشار إليها القرآن بوادي غير ذي زرع حين وصلها سيدنا إبراهيم وزوجته هاجر وابنهما اسماعيل عليهم السلام. وهاجر هذه تشير معظم الروايات إلى أنها كانت نوبية وإن كان الكثير من المراجع تشير إلى أنها مصرية وفي كل الأحوال فليس ثمة تناقض بين الروايتين فمصر والنوبة تداخلتا في كثير من حقب التاريخ فالدولة المصرية حكمت بلاد النوبة في فترات كما حكم النوبيون مصر لفترة امتدت إلى مائة عام تقريبا كما ذهب مؤخرا عالم المصريات المصري بسام الشماع إلى أن النصوص التاريخية تؤكد أن أعظم ملوك الدولة الوسطى أمثال أمنحتب الثانى وأمنحات الاول والثانى والثالث والسنويسرت بالاضافة الى ملكات بعينهن امثال نفرو سوبك كانوا سود البشرة ، بالاضافة الى نصوص تؤكد ان الاصل جنوبى على البرديات وايضا الاسرة الثامنة عشر وهى اعظم الاسر فى التاريخ المصرى وذهب بسام إلى أن الملك الشاب توت عنج أمون كان نوبياً وأنه على أستعداد لتأكيد ذلك عن طريق فحص الدي ان آي.

فتسمية المكان ببكّة جاء بعد اقامة سيدنا ابراهيم وهاجر واسماعيل في المكان وإذا كان من المعلوم ان سيدنا ابراهيم قد ترك هاجر مع طفلهما اسماعيل بعد وصولهم إلي ذلك الوادي بوقت قليل ورحل عنهما إلى جهة ما فان المرجح أن لم يكن من المؤكد أن هاجر هي التي أطلقت اسم بكّة على هذه البقعة. ونوبية هاجر تظهر في اسم المكان بكّة ومكّة فبالرغم من أن بعض الكتاب المصريين حاولوا نسبة اسم بكة إلى اللغة المصرية القديمة استنادا إلى الروايات التي تعود بهاجر إلى الدولة المصرية فقيل أن بكة تتكون من كلمتين هما " با" و " كا" والاولى تعني في اللغة المصرية القديمة الكبير او العظيم والثانية أي كا تعني المكان أو البقعة من الارض وبذلك تعني كلمة بكة المكان العظيم. ولكن هذا التفسير يجد لدينا ما يدحضه فاولا الاسم ليس "باكا" كما يذهب التفسير المصري ولكن كما هو واضح من نطقه هنالك همزة وكاف مشددة "أكّ" بين ال "با" و ال" كا" فتقرأ " باـ أكّ ـ كا" و " ما ـ أكّ ـ كا". ثم أن هاجر حينما جاءت إلى ذلك المكان لم يكن للمكان قدسية أو مكانة عظيمة حتى تطلق عليه اسم المكان العظيم بل كان مكانا قاحلا لا ماء فيه ولا زرع حتى أن القرآن أشار إليه بوادي غير ذي زرع دون إضفاء أي قدسية عليه وقد عانت فيه السيدة هاجر وطفلها من العطش حتى بعث الله إليهما ملكا أمدهما بالماء من نبع زمزم. فالمكان اكتسب قدسيته وعظمته بعد ذلك حينما وضع ابراهيم واسماعيل قواعد البيت الحرام. من هنا فان التفسير الأقرب للصحة لاسم "بكّة" ثم " مكّة " لاحقا هو التفسير الذي يقوم اعتمادا على اللغة النوبية باعتبارها لغة السيدة هاجر فعندي ان كلمة بكّة تعني بالنوبية " المكان المفرق للأب" فكلمة "با" في النوبية تعني الأب وهو المعني المقصود هنا وتعني أيضا الكبير أو العظيم كما في المصرية القديمة وتعني كذلك الارض أوالوادي وتنطق أحيانا في المعنى الأخير " فا" أما كلمة "أكّ" فتعني يفطم أو يفصل ويفرق ففصال الطفل عن امه اي فطامه يقال له بالنوبية "أكّ" بكاف مشددة والمعنى العام هو ابعاد شئ عن آخر أما "كا" فأيضاً في النوبية القديمة تعني المكان كما في المصرية القديمة. وتفسير هذه التسمية هو أن السيدة هاجر حينما رحل سيدنا ابراهيم وتركهما في ذلك المكان القاحل وصفته بانه المكان المفرق للأب باعتبار أنه فرق وفصل الأب عن الاسرة. ثم أنها وبعد أن عاد سيدنا ابراهيم اليهم والتأم شمل الأسرة في ذات المكان لم تجد بدأ من تغيير الاسم ليلائم الوضع الجديد حيث أصبح المكان جامعا بعد أن كان مفرقا فعادت وأطلقت عليه اسم " مكّة ـ ما أكّا" ومعناه " المكان الجامع" أو " الموحد" أي عكس المفرق لأن "ما" في اللغة النوبية القديمة مستخدمة كنافية كما في اللغة العربية وحتى في اللغة النوبية الجارية حاليا يظهر هذا الاستخدام في ثنايا الكلمات المتداولة اليوم ففي النوبية مثلا نقول " اسكي" بمعني يستطيع ونقول " ما اسكي" بمعني لا يستطيع أي يعجز فاذا كانت كلمة "أكّ" تعني كما أشرنا سابقا يفرق ويفصل فان كلمة " مكّ, أي ما ـ أكّ " تعني يجمع ويوحد أي نقيض يفصل ويفرق . فسبحان الذي جعل مكّة بعد ذلك مكاناً جامعاً يهرع إليه المسلمون من كل فج عميق وتتوحد فيه أفئدتهم وكلمتهم.

وإذا تركنا مكّة في الجزيرة العربية وعدنا إلى أرض النوبة نجد كلمة " مك" الذي يرمز للملك النوبي ويعتقد الكثيرون خطأًَ أن الكلمة هو تحريف لكلمة الملك وهذا غير صحيح فهي كلمة نوبية أصيلة تعني الجامع أو الموحد استخدمت كلقب للزعيم الذي يجمع شمل الرعية فهو القائد الذي يلتف حوله الشعب ويوحده. وقد اسبغ هذا اللقب على عبد الله بن محمد الباقر بعد ان انقلب على أخواله ونزع منهم الملك بالتآمر مع عمارة دنقس فلقب بمك عبد الله وحيث كان التعريب غاية من غايات الحكام الجدد فقد ترجمت مك إلى العربية فصار لقبه عبد الله جماع ولكن قوة الثقافة النوبية وطول مكوثها في الأرض خاصة ما تعلق منها بشئون الدولة والحكم لم تفسح المجال للترجمة العربية أن تسود أو تعمر طويلاُ فأكتفي العرب باضافة أل التعريف إلى الكلمة النوبية فصارت المك فاحتفظ اللقب باصله النوبي مع تعريفه بالعربية باضافة الألف واللام وهذا نهج سلكه المعربون من أهل السودان أينما غلبهم تعريب الاسم واستساغوا إضافة الألف واللام اليه فكان الخرطوم, البركل, القرير, القولد ... الخ فهي كلها أسماء نوبية واللغة النوبية لا تعرف التعريف بالألف واللام.



No comments:

Post a Comment