Thursday, May 3, 2012

نحن الطيور

نحن الطيور


في زمان مضى يشير إليه جيلنا بالزمن الجميل قياسا على هذا الزمن الردئ كان من مقررات منهج المطالعة في المدارس الأولية نشيد مطلعه:

نحن الطيور أيها الانسان      بذا الجمال خصنا الرحمن

وربما بسبب ما حظي به هذا النشيد من لحن جميل درج ناظرمدرستنا في تلك القرية النائية من قرى أقصى الشمال السوداني كلما جاء مسئول زائرا للمدرسة أن يطلب من تلاميذ الصف المعني بأن يصطفوا أمام المسئول الزائر ويرددوا هذا النشيد بلحنه الجميل وبأصواتهم الندية مصحويا بأداء حركي يتمثل في إشارة التلاميذ المنشدين باليد اليمني إلى صدورهم عند عبارة " نحن الطيور" والاشارة باليد اليمنى أيضا مبسوطة نحو الضيف الزائر عند عبارة " أيها الانسان" ورفع اليدين مبسوطتين كذلك إلى أعلى عند كلمة " الرحمن" . وحينما كبرنا وكبرت معنا أحزاننا وقد جرفتنا الحياة بعيدا عن تلك القربة الهانئة حينها, شأنها شأن كل القرى السودانية في ذلك الزمان, وعركتنا الأيام عرك الرحى بثفالها وصار من متطلبات الدخول في معترك الحياة أن نتخذ لسان العرب بديلا عن لساننا الذي نشأنا عليه عرفنا أن الناطقين بلسان عربي مبين من العرب العاربة من أهل السودان يستخدمون كلمة طير استخداما مجازياً فيطلقون على الشخص الغر المتصف بالغباء والذي يسهل على الآخرين خداعه نعت " الطير" فيقولون " ده زول طيرة" ويقولون للجمع " ديل ناس طير" وقد يضيفون كلمة ساكت إلى العبارة فتصير " ديل ناس طير ساكت" فيكتسب النعت قوة وتأكيدا. ولكن ظل هذا النعت مستخدما لدى الشعب السوداني في نطاق ضيق لا يتعدى أن يوصف به شخص أو مجموعة من الأشخاص أو فئة قليلة من الناس,  فلم يحدث التوسع فيه ليدمغ به مثلاُ قبيلة بأكملها أو أهل أقليم في مجمله, حتى إذا جاء هذا الزمان الذي تولى فيه أمرنا بعض العربان وقليل ممن والاهم من النوبة والغلفان وبعض متردية أهل السودان من عناصر الاحزاب والاخوان أدركنا أن هؤلاء العربان يعتقدون جازمين أن جميع أهل السودان العرب منهم والعجمان ما هم إلا "ناس طير". صحيح أن نعت الطير لم يرد صراحة في قاموس مفردات النعوت التي أسبغها المنقذون من العربان ومن والاهم بغير احسان على شعب السودان مثل نعت " الشحاتين" أي العاطلين من فضيلة التعفف أو نعت "قليلي الأدب" أو "السجمانين" أو "الجبناء" وهذا الأخير وصف يبدو محببا وتليدا عند المنقذين فقد جرى استخدامه من قبل هؤلاء منذ ايام الطلب حيث كانوا يهتفون في المظاهرات الطلابية الشعبانية التي جرت في العام 1973 " الشعب جعان لكنو جبان" فتخيل!! وبالرغم من أن الشعب السوداني أكد لهم بانتفاضته في أبريل 1985 أنه فوق سوء ظنهم وأنه أقوى وأكبر مما كانوا يتصورون إلا أنهم لا زالوا يتوهمون فيه الجبن أو يوهمون أنفسهم بأنهم يحكمون شعباً من الجبناء إلى الحد الذي يتنبر فيه أحدهم ليخاطب الشعب السوداني قائلاً: كان رجال أطلعوا الشارع !!
أقول بالرغم من أن نعت الشعب السوداني بالطير لم يرد في قاموس مفردات النعت الانقاذي وللأمانة والتاريخ لم يقدم احد المنقذين على وصف الشعب السوداني بالطير صراحة. ولكن كل أقوالهم وأفعالهم تشير إلى استبطانهم لهذا النعت فدعونا نتتبع بعض الأمثلة من أقوال وأفعال المنقذين لنحكم بعدها ماذا يظن بنا هؤلاء فالبيان الأول للمنقذين غداة إنقلابهم في الثلاثين من يونيو 1989والذي تلاه علينا العميد (حينها) عمر حسن أحمد البشير جاء شاملا ما زعموه أسبابا للانقلاب على النظام الديموقراطي الذي اختاره الشعب وشمل الخطاب ايضا ما يبشر به المنقذون الشعب السوداني ليقبل بهم بديلا للنظام الديموقراطي والحكومة المنتخبة من قبله, فحوى البيان نعياُ على الوضع الاقتصادي " لقد تدهور الوضع الاقتصادي بصورة مزرية وفشلت كل السياسات الرعناء في إيقاف التدهور ناهيك عن تحقيق أي قدر من التنمية مما زاد حدة التضخم وارتفعت الأسعار بصورة لم يسبق لها مثيل واستحال علي المواطن الحصول علي ضرورياتهم إما لانعدامها أو ارتفاع أسعارها مما جعل الكثير من ابناء الوطن يعيشون علي حافة المجاعة وقد أدي التدهور الاقتصادي إلي خراب المؤسسات العامة وانهيار الخدمات الصحية والتعليمية وتعطيل الإنتاج بعد أن كنا نطمع أن تكون بلادنا سلة غذاء العالم أصبحنا امة متسولة تستجدي غذاءها وضرورياتها من خارج الحدود" والآن وبعد اثنين وعشرين عاما من حكم المنقذين نجد الوضع الاقتصادي في أسوأ حالاته ولا نكاد نلمس في الواقع سياسات رعناء أو خلافه بل هو خبط عشواء وخواء ورغم شعارات نأكل مما نزرع ونلبس مما نصنع ورغم ضجيج النفرة الخضراء وزعيق النهضة الزراعية والحديث عن سلة غذاء العالم وبعد أن كان استيرادنا من الغذاء يقتصر على بعض القمح على أيام الديمقراطية الموؤدة تدهورنا إلى درجة استيراد البيض الفاسد من بلاد الهند والسند والطماطم من سوريا وحتى الثوم " بصل مكادة" نستورده من الصين إضافة إلى القمح الذي جله يأتي من وراء البحار. أما التضخم فحدث ولا حرج فبعد أن طمأننا المنقذون في بداية عهدهم بأن سعر الدولار كان سيبلغ العشرون من الجنيهات السودانية لولا قيام المنقذون بانقلابهم إذا بالدولار يبلغ سعره 7000 جنيه ولا يزال الجنيه السوداني يترنح أمام الدولار ولم يستقر له قرار رغم تدخلات بنك السودان ليحفظ له ماء وجهه. لم يجحد المنقذون الفساد والمحسوبية الحزبية حظه من البيان حيث جاء " لقد امتدت يد الحزبية والفساد السياسي إلي الشرفاء فشردتهم تحت مظلة الصالح العام مما أدي إلي انهيار الخدمة المدنية ولقد أصبح الولاء الحزبي والمحسوبية والفساد سببا في تقديم الفاشلين في قيادة الخدمة المدنية وافسدوا العمل الإداري وضاعت بين يديهم هيبة الحكم و سلطان الدولة ومصالح القطاع العام" وإذا تركنا جانبا افتراء البيان على الحزبية إلا أن ما فعله المنقذون بالخدمة المدنية وما بلغته من انهيار كامل بسبب المحسوبية وتقديم الولاء على الكفاءة وتشريد آلاف العاملين من ذوي الخبرة منها لا يخفى على أحد. وتباكي البيان على الوحدة الوطنية التي أضاعها العبث السياسي كما أسماه " وأضاع الوحدة الوطنية بإثارته النعرات العنصرية والقبلية في حمل أبناء الوطن الواحد السلاح ضد إخوانهم في دارفور وجنوب كردفان علاوة على ما يجري في الجنوب في مأساة وطنية وسياسية" وبعد أكثر من عقدين من ذلك البيان و سيطرة المنقذين على مصائر البلاد والعباد نجد الوطن وقد تم تمزيقه بفعل أصحاب البيان والنعرات العنصرية والقبلية يتم تأجيجها من قبل المنقذين وحمل السلاح ضد الآخر بعد ان كان بين القبائل بسبب الصراع على الكلأ والماء يتداركها القوم بالصلح والديات أصبح بين تلك القبائل مجتمعة من جهة وبين السلطة التي يتحكم فيها المنقذون من جهة أخرى بسبب الصراع على السلطة والثروة وبعد أن كان حمل السلاح مقتصرا على درافور وجنوب كردفان كما إدعى البيان أصبح شاملا جنوب النيل الأزرق والشرق وكل كردفان بالاضافة إلى درافور. ولم ينسى البيان في ختامه دعوة المواطنين للاصطفاف خلف راية المنقذين " ضد الفوضى والفساد واليأس من اجل إنقاذ الوطن ومن اجل استمراره وطنا موحدا كريما" والآن وبعد نيف وعشرون عاما من حكم المنقذين صار السودان ضمن ثلاث دول هي الأكثر فسادا في كوكب الارض وضمن خمس دول هي الأشد فقرا في المعمورة وضمن خمس دول هي الأسوأ في سجل حقوق الانسان وضمن خمس دول هي الأدني من حيث الشفافية أما الاستمرار وطنا موحدا فقد أثبتت الأيام أن المنقذين كانوا أكثر حرصا على تقسيم الوطن ولا يزال في جعبتهم الكثير نحو تمزيق ما تبقى منه . وبعد أن غلبت المنقذون الحيلة في إدارة شأن البلاد وصاروا قاب قوسين أو أدنى من الهلاك لم يجدوا ملجأ غير الطائفية التي أسرفوا في ذمها لتستر عورتهم وتصلح ما أفسده عقدين من الحكم غير الرشيد فجاءوا بيفع الطائفية في أعلى قمة السلطة المنقذة لعلهم يصلحون كديكور يجمل وجه السلطة الكالح. كل ذلك يمكن استساغته ولكن غير المستساغ أن يخرج علينا بعد كل هذا من يقول: إن الذين ينتظرون ربيعا عربيا في السودان سيطول انتظارهم لأن الشعب السوداني يعيش ربيعا منذ اثنين وعشرون عاما !! أي ربيع هذا يا هذا؟

أيشك أحد بعد ذلك في أن هؤلاء المنقذون يؤمنون ايمانا لا يخامره الشك أن الشعب السوداني ما هو إلا طير بل " طير ساكت"؟؟
وما دام الأمر كذلك فانني ومن باب الفضول وليس نيابة عن الطير السوداني, فلا أملك تفويضاً بذلك, اقترح على المنقذين أن يصدروا فرماناً يقضي باحياء النشيد المشار إليه وجعله نشيدا وطنياً مقرراً ليس على تلاميذ مدارس الأساس فحسب  بل على كل الطير السوداني الفضل مع تعديل طفيف في مطلع النشيد ليقرأ:

نحن الطيور أيها السلطان      بذا الغباء خصنا الرحمن

على أن يتضمن الفرمان إلزاماً على جميع المواطنين من جنس الطير الحاضرين في اللقاءات العامة التي يشرفها بالحضور واحد أو أكثر من المنقذين بأن يهبوا واقفين عند وصول المنقذ او المنقذين ويقوموا  بترديد النشيد كافتتاحية للقاء  على أن يكون ذلك مصحوبا بأداء حركي من كل الطير المنشدين بأن يشيروا باليد اليمنى إلى أنفسهم عند عبارة " نحن الطيور" ويشيروا كذلك إلى من في المنصة عند عبارة " أيها السلطان". أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم أيها الطير السوداني الفضل. قوموا إلى نشيدكم.

من مروآرتي إلى مكة

من مروآرتي إلى مكّة




بقلم/ عبد الله عبد القيوم أبوزيد/ المحامي

قدمت احدى الفضائيات السودانية في الايام القليلة الماضية برنامجا عن جزيرة مروآرتي في الشمالية وهي جزيرة صغيرة تقع في خاصرة مدينة أرقو وتطل عليها إطلالة تضفي عليها بهاء ورونقا فالجزيرة قطعة من الجمال تسحر العيون وتسلب الألباب حين تبدو لعابري النيل على ظهر البنطون أو المراكب وصولا إلى المدينة أو ذهابا منها. ولست هنا بصدد وصف الجزيرة وسحرها فهذا أمر صعب المنال نثرا أو شعرا فلا غنى لمن رغب في إدراك ذلك السحر عن الوقوف لديها والتأمل في سحرها وجمالها شأنها شأن الكثير من جزر المنطقة تلك المنطقة التي أطلق عليها أهلها النوبيون في زمن سابق اسم " بقون" ومعناه العجب ربما لايمانهم بأن منطقتهم هذه بما فيها من جمال الطبيعة وكنوزها تعتبر من عجائب السودان إن لم تكن من عجائب الدنيا. ما لفت نظري في البرنامج أن عددا من سكان الجزيرة الذين ألتقتهم كاميرا البرنامج تحدثوا عن معني الاسم مروآرتي فاتفقوا أن الاسم يعني جزيرة المروة أو المروءة وهو إجتهاد منهم لايجاد تفسير أو أصل عربي للاسم وهو تفسير لا يجد سندا من الواقع أوالتاريخ أو المنطق. الشاهد أنه وفي ظل المحاولات المستمرة للهروب من تاريخ السودان وهويته يجهد كثير من الناس نفسه لايجاد اصل عربي لاسماء المواقع في السودان لم تسلم من ذلك حتى سوبا حاضرة المملكة النوبية ألوا " علوة" فهذا واحد ممن أوكل اليه التوثيق لما سمي بحضارة السودان قال أن أصل الاسم ربما يعود إلى مملكة سبأ تلك المملكة العربية القديمة التي قامت في اليمن وحكمتها الملكة بلقيس فتخيل!! ولو بحثنا عن معنى الاسم في اللغة النوبية لوجدنا انه يعنى النهر العظيم في اشارة إلى النيل الأزرق وكذلك كل الأسماء التي تبدأ ب " سو أو صو" على طول نهر النيل من سوهاج في مصر إلى سوباط في الجنوب ومن سواكن على البحر الأحمر إلى صومال كلها أسماء تصف النهر أو البحر في ذلك الموقع المحدد لأن كلمة سو أو صو ,كما في صومال, تعني في اللغة النوبية القديمة وربما في لغات كوشية أخرى الماء أوالسائل واستخدمت بمعنى النهر وكذلك البحر. وقيل مثل ما قيل عن سوبا من إفتئات عن أماكن كثيرة تحضرني منها أربجي وكردفان "وهي في الأصل كوردوفال" وهي تعني في النوبية سهل الجبل الكبير في اشارة إلى جبال النوبة فالاسم يتكون من كلمتين "كوردو" وتعني الجبل و "فال" وتعني الأرض السهلية. ولا أود هنا ايراد مزيد من الأمثلة لضيق المساحة المتاحة والتي لا تسمح بمثل هذا الاسهاب ثم لصعوبة فهم مثل هذا الشرح لغير المهتمين باللغة النوبية سواء كانوا من الناطقين بها أو غيرهم فحسبنا تلك الأشارات العابرة لبعض الأمثلة من أسماء الاماكن السودانية.

ولكني أريد هنا أن أقوم بهجمة مرتدة على الباحثين عن اصل عربي لأسماء المواقع السودانية فاقتحم عقر دار عروبتهم وأورد مثالا عن أثر اللغة النوبية هناك و ليس في موطنها السودان. يظهر هذا الأثر في اسم البقعة المباركة مكة المكرمة حيث جاء في محكم التنزيل " إن أول بيت وضع للناس للتي ببكّة مباركا". فكما تحدثنا الآية الكريمة فمكة المكرمة كانت تسمي بكّة قبل أن تصير مكّة. وهي كما يحدثنا القرآن أيضا كانت ارض قاحلة لا حياة فيها ولا تحمل اسماً فأشار إليها القرآن بوادي غير ذي زرع حين وصلها سيدنا إبراهيم وزوجته هاجر وابنهما اسماعيل عليهم السلام. وهاجر هذه تشير معظم الروايات إلى أنها كانت نوبية وإن كان الكثير من المراجع تشير إلى أنها مصرية وفي كل الأحوال فليس ثمة تناقض بين الروايتين فمصر والنوبة تداخلتا في كثير من حقب التاريخ فالدولة المصرية حكمت بلاد النوبة في فترات كما حكم النوبيون مصر لفترة امتدت إلى مائة عام تقريبا كما ذهب مؤخرا عالم المصريات المصري بسام الشماع إلى أن النصوص التاريخية تؤكد أن أعظم ملوك الدولة الوسطى أمثال أمنحتب الثانى وأمنحات الاول والثانى والثالث والسنويسرت بالاضافة الى ملكات بعينهن امثال نفرو سوبك كانوا سود البشرة ، بالاضافة الى نصوص تؤكد ان الاصل جنوبى على البرديات وايضا الاسرة الثامنة عشر وهى اعظم الاسر فى التاريخ المصرى وذهب بسام إلى أن الملك الشاب توت عنج أمون كان نوبياً وأنه على أستعداد لتأكيد ذلك عن طريق فحص الدي ان آي.

فتسمية المكان ببكّة جاء بعد اقامة سيدنا ابراهيم وهاجر واسماعيل في المكان وإذا كان من المعلوم ان سيدنا ابراهيم قد ترك هاجر مع طفلهما اسماعيل بعد وصولهم إلي ذلك الوادي بوقت قليل ورحل عنهما إلى جهة ما فان المرجح أن لم يكن من المؤكد أن هاجر هي التي أطلقت اسم بكّة على هذه البقعة. ونوبية هاجر تظهر في اسم المكان بكّة ومكّة فبالرغم من أن بعض الكتاب المصريين حاولوا نسبة اسم بكة إلى اللغة المصرية القديمة استنادا إلى الروايات التي تعود بهاجر إلى الدولة المصرية فقيل أن بكة تتكون من كلمتين هما " با" و " كا" والاولى تعني في اللغة المصرية القديمة الكبير او العظيم والثانية أي كا تعني المكان أو البقعة من الارض وبذلك تعني كلمة بكة المكان العظيم. ولكن هذا التفسير يجد لدينا ما يدحضه فاولا الاسم ليس "باكا" كما يذهب التفسير المصري ولكن كما هو واضح من نطقه هنالك همزة وكاف مشددة "أكّ" بين ال "با" و ال" كا" فتقرأ " باـ أكّ ـ كا" و " ما ـ أكّ ـ كا". ثم أن هاجر حينما جاءت إلى ذلك المكان لم يكن للمكان قدسية أو مكانة عظيمة حتى تطلق عليه اسم المكان العظيم بل كان مكانا قاحلا لا ماء فيه ولا زرع حتى أن القرآن أشار إليه بوادي غير ذي زرع دون إضفاء أي قدسية عليه وقد عانت فيه السيدة هاجر وطفلها من العطش حتى بعث الله إليهما ملكا أمدهما بالماء من نبع زمزم. فالمكان اكتسب قدسيته وعظمته بعد ذلك حينما وضع ابراهيم واسماعيل قواعد البيت الحرام. من هنا فان التفسير الأقرب للصحة لاسم "بكّة" ثم " مكّة " لاحقا هو التفسير الذي يقوم اعتمادا على اللغة النوبية باعتبارها لغة السيدة هاجر فعندي ان كلمة بكّة تعني بالنوبية " المكان المفرق للأب" فكلمة "با" في النوبية تعني الأب وهو المعني المقصود هنا وتعني أيضا الكبير أو العظيم كما في المصرية القديمة وتعني كذلك الارض أوالوادي وتنطق أحيانا في المعنى الأخير " فا" أما كلمة "أكّ" فتعني يفطم أو يفصل ويفرق ففصال الطفل عن امه اي فطامه يقال له بالنوبية "أكّ" بكاف مشددة والمعنى العام هو ابعاد شئ عن آخر أما "كا" فأيضاً في النوبية القديمة تعني المكان كما في المصرية القديمة. وتفسير هذه التسمية هو أن السيدة هاجر حينما رحل سيدنا ابراهيم وتركهما في ذلك المكان القاحل وصفته بانه المكان المفرق للأب باعتبار أنه فرق وفصل الأب عن الاسرة. ثم أنها وبعد أن عاد سيدنا ابراهيم اليهم والتأم شمل الأسرة في ذات المكان لم تجد بدأ من تغيير الاسم ليلائم الوضع الجديد حيث أصبح المكان جامعا بعد أن كان مفرقا فعادت وأطلقت عليه اسم " مكّة ـ ما أكّا" ومعناه " المكان الجامع" أو " الموحد" أي عكس المفرق لأن "ما" في اللغة النوبية القديمة مستخدمة كنافية كما في اللغة العربية وحتى في اللغة النوبية الجارية حاليا يظهر هذا الاستخدام في ثنايا الكلمات المتداولة اليوم ففي النوبية مثلا نقول " اسكي" بمعني يستطيع ونقول " ما اسكي" بمعني لا يستطيع أي يعجز فاذا كانت كلمة "أكّ" تعني كما أشرنا سابقا يفرق ويفصل فان كلمة " مكّ, أي ما ـ أكّ " تعني يجمع ويوحد أي نقيض يفصل ويفرق . فسبحان الذي جعل مكّة بعد ذلك مكاناً جامعاً يهرع إليه المسلمون من كل فج عميق وتتوحد فيه أفئدتهم وكلمتهم.

وإذا تركنا مكّة في الجزيرة العربية وعدنا إلى أرض النوبة نجد كلمة " مك" الذي يرمز للملك النوبي ويعتقد الكثيرون خطأًَ أن الكلمة هو تحريف لكلمة الملك وهذا غير صحيح فهي كلمة نوبية أصيلة تعني الجامع أو الموحد استخدمت كلقب للزعيم الذي يجمع شمل الرعية فهو القائد الذي يلتف حوله الشعب ويوحده. وقد اسبغ هذا اللقب على عبد الله بن محمد الباقر بعد ان انقلب على أخواله ونزع منهم الملك بالتآمر مع عمارة دنقس فلقب بمك عبد الله وحيث كان التعريب غاية من غايات الحكام الجدد فقد ترجمت مك إلى العربية فصار لقبه عبد الله جماع ولكن قوة الثقافة النوبية وطول مكوثها في الأرض خاصة ما تعلق منها بشئون الدولة والحكم لم تفسح المجال للترجمة العربية أن تسود أو تعمر طويلاُ فأكتفي العرب باضافة أل التعريف إلى الكلمة النوبية فصارت المك فاحتفظ اللقب باصله النوبي مع تعريفه بالعربية باضافة الألف واللام وهذا نهج سلكه المعربون من أهل السودان أينما غلبهم تعريب الاسم واستساغوا إضافة الألف واللام اليه فكان الخرطوم, البركل, القرير, القولد ... الخ فهي كلها أسماء نوبية واللغة النوبية لا تعرف التعريف بالألف واللام.